20/08/2026
ما يخيف الإنسان حقا ليست الشيخوخة ولا التجاعيد ولا ثقل الحركة...فالشيخوخة ليست عقابا بل رسالة من الزمن تذكرك بهدوء أنك عشت وقاومت وعبرت ووصلت . التجاعيد ليست عيبا بل تواقيع الأيام على وجهك...والشيب ليس ضعفا بل بياض الحكمة الذي استقر فوق رأسك...أما ثقل الحركة فليس انهيارا بل هو صوت الجسد وهو يُطالب بحقه في الراحة بعد سنين طويلة من الركض .
ما يخيف الإنسان حقا ليس أن يشيخ بل أن يصل إلى عمر لا يملك فيه نفسه... أن يتحوّل من إنسان يعيش إلى إنسان يُدار... أن تصبح يده ممدودة لطلب كأس ماء وقدماه تنتظر من يحملها وصوته لا ينادي إلا لطلب المساعدة .
لا أحد يتمنى أن يكون عبئا على أحد...ولا أن يتحوّل إلى مسؤولية ثقيلة على كتف إنسان آخر مهما بلغ حبه...فالحب شيء والإرهاق شيء آخر...والقلب قد يحنّ لكن الجسد قد يتعب والنفس قد تختنق . أن تعتمد على غيرك يعني أن تفقد حقك في أبسط تفاصيل الحياة... أن تأكل حين يسمح الوقت... أن تتحرك حين يسمح الآخر... أن تخرج حين يتفرغ أحدهم... أن تصبح حياتك مؤجلة مثل باب ينتظر مفتاحا ليس في جيبك .
الإعتماد على الغير ليس فقط حاجة...إنه سجن ناعم جدرانه ليست من حجر بل من نظرات الشفقة ومن عبارة دعني أساعدك ومن إحساس خفي بأنك لم تعد سيّد نفسك .
ما يخشاه المرء منا هو ذاك اليوم الذي سيحتاج فيه أن يطلب الإذن ليعيش... أن يستأذن ليخرج... أن يستأذن ليرتاح... أن يستأذن حتى ليبكي في صمت وكأنه ضيف في حياته لا صاحبها .
ما يخشاه المرء منا هو أن يفقد ذاته... أن يفقد تلك الكرامة التي كانت تمشيه حتى وهو متعب...يخشى أن يجد نفسه يوما مكسور الجناح وهو الذي كان يطير حتى في العواصف .
كل ما يتمناه المرء منا أن يشيخ واقفا...لا بمعنى القوة الخارقة بل بمعنى أن يبقى داخله شيء يُذكره أنه مازال قادرا...مازال يختار...مازال يُقرر....مازال هو...
كل ما يرجوه المرء منا أن يشيخ بكرامة... أن تبقى قدماه تحملانه ولو ببطء... أن تبقى يداه تخدمه ولو برجفة... أن يبقى قادرا على أن يغلق بابه بيده ويفتح نافذته بإرادته ويعيش حياته دون أن تتحول إلى حمل ثقيل على أحد .
قد يتعب المرء منا حين يشيخ... نعم...لكن تعبه وهو يعتمد على نفسه أشرف بكثير من راحته وهو يعتمد على الآخرين...فالألم مع الإعتماد على النفس وجع جسد أما العيش بالإعتماد على الآخر فهو وجع روح .
أكيد لن يتمنى المرء منا عمرا طويلا على سرير الإنتظار...لكنه يريد فقط أن يعيش ما تبقى من أيامه كما عاش أولها ...بكرامته...بقراره وبشيء من القوة يكفيه ليخبر الحياة أنه تقدم في السن لكنه لم يسقط بعد .
ربي يحسن الخاتمة
قليل من التفاؤل ويومكم جميل .